ابن خلدون
106
تاريخ ابن خلدون
فظن الظنون فخشى استيلاء مسعود على الامر فبعث إلى العباس بن يغمراسن كبير القرابة فأحضره عند باب القصر حتى إذا مر بهم الهاتف واستيقن مهلك أبى سرحان رد العباس على عقبه إلى منزله ودخل إلى السلطان أبى تاشفين وقد أدركه الدهش من المواقعة فثبته ونشطه فحفه وأجلسه بمجلس أبيه وتولى له عقد البيعة على قومه خاصة وعلى الناس عامة وذلك آخر جمادى الأولى من تلك السنة وجهز السلطان إلى مدفنه بمقبرة سلفه من القصر القديم وأصبح مثلا في الآخرين والبقاء لله وأشخص السلطان لأول ولايته سائر القرابة الذين كانوا بتلمسان من ولد يغمراسن وأجازهم إلى العدوة حذار من مغبة ترشيحهم وما يتوقع من الفتن على الدولة من قبلهم وقلد حجابته مولاه هلالا فاضطلع بأعبائها واستبد بالعقد والحل والابرام والنقض صدرا من دولته إلى أن نكبه حسبما نذكره وعقد ليحيى بن موسى السنوسي من صنائع دولتهم على شلب وسائر أعمال مغراوة وعقد لمحمد بن سلامة بن علي على عمله من بلاد بنى يدللتن من توجين وعزل أخاه سعدا فلحق بالمغرب وعقد لموسى بن علي الكردي على قاصية المشرق وجعل إليه حصار بجاية وأغرى دولته بتشييد القصور واتخاذ الرياض والبساتين فاستكمل ما شرع فيه أبوه من ذلك وأتى عليه فاحتفلت القصور والمصانع في الحسن ما شاءت واتسعت أخباره على ما نذكره إن شاء الله تعالى { الخبر عن نهوض السلطان أبى تاشفين لمحمد بن يوسف بجبل وانشريس واستيلاؤه عليه } كان محمد بن يوسف بعد مرجع السلطان أبى حمو كما ذكرناه قد تغلب على جبل وانشريس ونواحيه واجتمع إليه الفل من مغراوة فاستفحل أمره واشتدت في تلك النواحي شوكته وأهم أبا تاشفين أمره فاعتزم على النهوض إليه وجمع لذلك وأزاح العلل وأناخ على وانشريس وقد اجتمع به بنو توجين ومغراوة مع محمد بن يوسف وكان يتغرين من بنى توجين بطانة ابن عبد القوى يرجعون في رياستهم إلى عمر بن عثمان حسبما نذكره وكان قد استخلص سواه من بنى توجين دونه فأسفه بذلك وداخل السلطان أبا تاشفين وواعده أن يتحرك عنه فاقتحم السلطان عليهم الجبل وانحجزوا جميعا إلى حصن توكال فخالفهم عمر بن عثمان في قومه إلى السلطان بعد أن حاصرهم ثمانيا فتخرم الجمع واختل الامر وانفض الناس فاقتحم الحصن وتقبض على محمد بن يوسف وجئ به إلى السلطان أسيرا وهو في مركبه فعدد عليه ثم وخزه برمحه وتناوله الموالى برماحهم فأقعصوه وحمل رأسه على القناة إلى تلمسان فنصب بشرافات البلد وعقد لعمر بن عثمان على جبل وانشريس وأعمال بنى عبد القوى ولسعيد العربي من مواليه على عمل المرية